الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
58
تفسير روح البيان
وَاللَّهُ تعالى وحده جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم أَزْواجاً نساء لتأنسوابها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم . ومن هنا أخذ بعض العلماء انه يمتنع ان يتزوج المرء امرأة من الجن إذ لا مجانسة بينهما فلا مناكحة وأكثرهم على إمكانه ويدل عليه ان أحد أبوي بلقيس كان جنيا * قال ابن الكلبي كان أبوها من عظماء الملوك فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن فولدت له بلقيس وفيه حكايات اخر في آكام المرجان فان قيل غلبة عنصر النار في الجن تمنع من أن تتكون النطفة الانسانية في رحم الجنية لما فيها من الرطوبات فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية وقس عليه نكاح الجنى الانسية * قلت إنهم وان خلقوا من نار فليسوا بباقين على عنصرهم الناري بل قد استحالوا عنه بالا كل والشرب والتوالد والتناسل كما استحال بنوا آدم عن عنصرهم الترابي بذلك على أن الذي خلق من نار هو أبو الجن كما خلق آدم أبو الانس من تراب واما كل واحد من الجن غير أبيهم فليس مخلوقا من النار كما أن كل واحد من بني آدم ليس مخلوقا من تراب . وذكروا أيضا جواز المناكحة بين الإنسان وانسان الماء كما قال في حياة الحيوان ان في بحر الشام في بعض الأوقات من شكله شكل انسان وله لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر فإذا رآه الناس استبشروا بالخصب - وحكى - ان بعض الملوك حمل اليه انسان ماء فأراد الملك ان يعرف حاله فزوجه امرأة فاتاه منها ولد يفهم كلام أبويه فقيل للولد ما يقول أبوك قال يقول أذناب الحيوان كلها في أسفلها فما بال هؤلاء اذنابهم في وجوههم . وذكروا أيضا بنات الماء ومناكحة الإنسان إياهن وتولد الأولاد منهن وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ اى جعل لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره بَنِينَ [ فرزندان ] وَحَفَدَةً جمع حافد وهو الذي يسرع في الخدمة والطاعة ومنه قول القانت وإليك نسعى ونحفد اى جعل لكم خدما يسرعون في خدمتكم وطاعتكم ويعينونكم كأولاد الأولاد ونحوهم * يقول الفقير حمل الحفدة على البنات كما فعله البعض بناء على انهن يخدمنه في البيوت أتم خدمة ضعيف لان الخطاب لكون السورة مكية مع المشركين وهم كانوا تسودّ وجوههم حين الاخبار بالبنات فلا يناسب مقام الامتنان حملها عليهن وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من اللذائذ كالعسل ونحوه ومن للتبعيض لان كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا الا أنموذج منها * يقول الفقير المقصود الطيبات المنفهمة بحسب العرف وهي طيبات البلدة والناحية والإقليم لا الطيبات المشتملة عليها الدنيا والجنة فكل الطيبات مرزوق بها العباد أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ الفاء في المعنى داخلة على الفعل وهي للعطف على مقدر اى أيكفرون باللّه الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل وهو ان الأصنام تنفعهم وان البحاثر ونحوها حرام وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ حيث يضيفونها إلى الأصنام أو المراد بالباطل الأصنام وما يفضى إلى الشرك وبنعمة اللّه الإسلام والقرآن وما فيه من التوحيد والاحكام . والباطل عند أهل الحقيقة قسمان باطل حقيقي وهو ما لا تحقق ولا وجود ولا ثبوت له بان لم يقع التجلي الإلهي في عالمه أصلا وقسم باطل مجازى وهو التعينات الموجودة كلها اما بطلانه فلكونه عدما في نفسه « ألا كل شئ ما خلا اللّه باطل » واما مجازيته فلكونه مجلى ومرآة للوجود الإضافي والحق المجازى والمؤمن بالباطل مطلقا كافر باللّه تعالى